عبد الفتاح عبد الغني القاضي
8
البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبية والدرة
تصدى للإقراء والتعليم أكثر من سبعين سنة . وكان عالما بوجوه القراءات متتبعا لآثار الأئمة الماضين في بلده . قال سعيد بن منصور : سمعت مالك بن أنس يقول : قراءة أهل المدينة سنّة ؛ أي مختارة ، فقيل له : قراءة نافع ؟ قال : نعم . وروى عنه أنه كان إذا تكلم يشم من فيه رائحة المسك . فقيل له : أتتطيب كلما قعدت تقرئ الناس ؟ فقال : إني لا أقرب الطيب ولا أمسه ، ولكن رأيت فيما يرى النائم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقرأ في فيّ فمن ذلك الوقت يشم من فمي هذه الرائحة . وقيل له : ما أصبح وجهك وأحسن خلقك فقال : كيف لا أكون كما ذكرتم وقد صافحني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وعليه قرأت القرآن في النوم . وكان زاهدا جوادا صلى في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ستين سنة . قيل : لما حضرته الوفاة قال له أبناؤه : أوصنا ، فقال لهم : اتقوا اللّه وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا اللّه ورسوله إن كنتم مؤمنين . وكان مولده في حدود سنة سبعين من الهجرة . وكانت وفاته سنة تسع وستين ومائة على الصحيح . وروى القراءة عنه سماعا وعرضا : طوائف لا يأتي عليها العدّ من المدينة والشام ومصر وغيرها من بلاد الإسلام . وممن تلقوا عنه : الإمامان مالك بن أنس ، والليث بن سعد . ومنهم أبو عمرو بن العلاء ، والمسيبي وعيسى بن وردان ، وسليمان بن مسلم بن جماز وإسماعيل ويعقوب ابنا جعفر . وأشهر الرواة عنه : اثنان ، قالون ، وورش ، وستأتي ترجمة كل منهما . قالون : هو عيسى بن مينا بن وردان بن عيسى بن عبد الصمد بن عمر بن عبد اللّه الزرقي مولى بني زهرة ، ويكنى « أبا موسى » ويلقب بقالون ، وهو قارئ المدينة ونحويها . يقال : إنه ربيب نافع - ابن زوجته - وقد لازم نافعا كثيرا ، وهو الذي لقّبه بقالون ، لجودة قراءته . فإن قالون بلغة الرومية جيد ، وكان جد جده عبد اللّه من سبي الروم في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب . فقدم به من أسره إلى عمر بالمدينة وباعه فاشتراه بعض الأنصار ، فهو مولى محمد بن محمد بن فيروز من الأنصار . ولد قالون سنة عشرين ومائة في أيام هشام بن عبد الملك ، وقرأ على نافع سنة